الثلاثاء، 24 مارس 2020

اليافطة


اليافطة

لم يكن يعلم ان هناك 32 مكانا للجلوس فى بيته مابين فوتية وكنبة وكرسى هزاز وشلته عربى ..لكن ايام حبسه الاختيارى والفراغ  اجبروه  ان يجربهم كلهم .. غاص فى فوتيه الليفنج .. ومدد على كنبة الانترية .. وتسلق كرسى الصالون .. وتمرجح بالكرسى الهزاز .. وانتصب على كرسى السفرة ..اكتشف ان اسوأهم هو كرسى السفرة وقال فى نفسه : كرسى السفرة دا رخم قوى .. قاعد متشعلق ومدلدل رجلك تحت السفرة لا عارف تمدد ولا تحط رجل على رجل .. وكمان مالوش دراعات .. تحس كده انك قاعد متذنب فى اجتماع من اجتماعات السيسى . لم يستطع ان يجرب كرسى السفرة اكثر من خمس دقائق .. ذهب بعدها الى المطبخ واعد مجا من النسكافيه .. ودخل على ابنه غرفته فوجده منكفئا على اللوحة البيضاء يصمم شيئا اشبه بالفيلا او الشاليه .
الاب: عملت لك نسكافيه برغوه عمر امك ماتعرف تعمله..
الابن : حبيبى يابابا .. وتعبت نفسك ليه ؟ .. انا كنت حا قوم اعمل لنفسى
الاب: ادينى باتسلى يابنى   .. ممكن اقعد اتفرج عليك وانت بترسم ؟
الابن : طبعا يابابا .. انا عشر دقايق اخلص واقعد معاك
الاب : لا لا .. مالكش دعوه بيا .. ركز انت فى شغلك .
جلس على الارض ..  ترك ال 32 كرسى وكنبه وفوتيه وجلس على الارض مسندا ظهرة للسرير ويتابع ابنه فى سعاده وهو يستخدم المسطره حرف ال T والمثلث والبرجل .. كان حلم حياته ان يصبح مهندسا معماريا .. ويذهب كل يوم الى كلية الهندسة وهو يحمل المسطرة حرف T واللوحات .. انه كان متفوقا فى الرياضيات .. لكن اباه اصر ان يراه طبيبا .. كان يقول : نفسى اشوف اسمى ورا اسمك على اليافطة .. وحقق حلم ابيه .. فكان ما اراد واصبح اسم ابيه  وراء اسمه ... ولكن لم يكن هناك لقب دكتور على اليافطة ولكن كان اللقب ... محاسب قانونى ..
عشرون عاما وهو يعيش بين الدائن والمدين .. بين معدل الاهلاك وحقوق المساهمين .. عشرون عاما وهو ينجح ويكبر ويرتقى ويجمع المال .... رغم انه يكره الارقام .. يكره الاله الحاسبة .. يكره الاكسيل يكره دفتر الاستاذ ..ويكره حتى مكتبه ... عشرون عاما يعمل بلا روح .. ينجح بلا سعاده .. يكسب المال بلا فرح ..فقد فقد احساسه بالاشياء يوم انهار حلمه فى ان يكون مهندسا معماريا .. وتحول الى روبوت .. انسان الى مبرمج ينفذ مايريدونه الاخرون لا مايريده هو .. حول من رياضة لعلوم ليرضى اباه .. تزوج ليرضى امه .. نجح فى عمله ليرضى عملائه .. كسب المال ليرضى زوجته .. عشرون عاما مضت دون ان يفعل فيها ولو شيئا واحدا اراده .. انه لم يعد يريد من الاساس .. هب واقفا وسأل ابنه فجأه : انت دخلت كلية الهندسة بمزاجك صح ؟
رد الابن مندهشا : ايوه
الاب : يعنى انت اللى اخترت ماحدش غصبك .. صح ؟
رد الابن : ايوه يابابا انا اللى اخترت .. فيه ايه ؟
رد الاب وهو يحتضنه : ابدا يا ابنى .. بس عايزك ماتعملش حاجة الا لو انت عايزها .. اوعى تعمل حاجة غصب عنك ولا علشان خاطر حد مهما كان الحد ده .. دى حياتك انت .. ماحدش ليه كلمه فيها غيرك .
رد الابن فى ذهول : بابا  ... انت كويس ؟!!
الاب :.. كويس ياحبيبى .. كويس
خرج واغلق الباب خلفه .. واكتشف انه لم يلحظ الكرسى ال33 مع انه بجانب باب الشقة .. ويجلس عليه كل يوم ليربط حذاءه قبل ان يذهب الى عمله .. ذهب ليجلس عليه وهو يتمتم : الله يلعن الكورونا والخفافيش والصين كلها .. القعده قلبت علينا المواجع



السبت، 14 مارس 2020

فرق بين الراء والراء


فرق بين الراء والراء

ماكنش عارف إيه اللى شده ليها .. يمكن علشان مصرية عاشت فى امريكا ولا علشان امريكية عايشة فى مصر .. شخصية غريبة .. عجيبة ..مبهرة.. تخطف القلب والعقل من اللحظة الاولى  .. .. كان يجلس بجانبها وهو يحمل دوسيها به شهادة التخرج وسى فى  عبارة عن اسمه وعنوانه و سطرين عن انجازاته بفريق الجواله فى الجامعة هما كل مايملك من خبرات فى الحياة ليراهن بهما على قبولة فى الشركات التى تعدت الخمسة ولا احد يتصل به ..كانت ترتدى تاييرا كلاسيكيا كحلى اللون وحذاء كلاسيكي ذو خمس سنتيمترات وتعقد ايشاربا مشجرا حول عنقها وتطلق السراح لشعرها الاسود الحريرى ليفعل مايشاء.. وتضع على عينيها نظارة تزيد من جمال عينيها السوداوين .. لم تكن تضع اى نوع من المكياج فجمالها الطبيعى لايحتاج لمثل هذه الاصباغ .. كانت تحمل هى الاخرى دوسيها كالذى يحمله ولكن يبدو ان اوراقه تزيد كثيرا عما يحمل ..لا يتذكر من منهما الذى بدأ الحديث .. لكنه يتذكر انه كان حديثا عذبا مريحا ممتعا .. ساعة كامله لم يكفا عن الحديث لم يصمتا للحظة .. لم يشعرا قط بالملل .. حديث منساب دون تفكير او تجميل او انتقاء للكلمات .. حديث كحديث النفس .. وكان اجمل مافى الحديث هو لكنتها الامريكية وخاصه حين تنطق حرف الراء .. الذى كلما نطقته احس برجرجة قلبه بداخله كرجرجة الندى على ورق الشجر .. انه لم يتعود على هذه اللكنه الامريكيه فانجليزيته فرز ثالث من افرازات مجانية التعليم .. عرف انها عاشت فى امريكا عشر سنوات .. وفرحت عندما قرر والدها الرجوع الى مصر .. فقد ملت الحياة الامريكيه .. نعم ملت الحياه الامريكيه التى يتمناها كل مصرى ومصريه .. حقا انها شخصية عجيبة مبهرة .. بها كل قيم واخلاق الشرق وانطلاق وانفتاح الغرب.. شخصية تخطف القلب والعقل منذ اللحظة الاولى ..
سبقته فى الانتر فيو ... وعندما خرجت سلمت عليه .. لا يتذكر هل هو من قبض على يدها ام هى التى تركتها كل هذه الفترة التى لا تتناسب مع السلام العادى بين اى اثنين ... دخل الانترفيو وخرج ورجع الى البيت وهو فى شرود تام منعه من ان يعرف كيف رجع وماذا قال فى الانتر فيو ..فقط يسأل نفسه هل مايشعر به هو اعجاب أم انبهار ام تراه بداية حب .. وعاد يعاتب نفسه ... انها لحظات سعيده وفقط .. لماذا يحلل ويفسر ويؤول ويطلق المسميات على اى احاسيس  يشعر بها .. واستسلم للسعاده ... مضت الايام وكالعاده لم تتصل الشركة .. ومرت شهور ..ومرت عشر سنوات .. بهتت فيها ذكراها وتبعثرت كلمات حديثها وضمراحساس السعاده الذى كان ينتابه كلما تذكرها .. لكن ذكراها عادت فجأة وبقوه الى عقله وقلبه عندما سمع زوجته وهى تتحدث الانجليزيه مع ابنة جارتنا التى وصلت من امريكا   .. انها تتحدث معها بالانجليزية الفصحى وتعطى كل حرف حقه فى النطق وخصوصا حرف الراء ...