ليالي مصرية
الليلة التاسعة
بقلم : باشا
في ذات التوقيت التي كانتا فيه ميار ودعاء داخل الفندق الأنيق لحضور حفل زفاف شقيقة حازم زميل ميار أيام الجامعة .. كان "أحمد فهمي" شقيقهما في مكان آخر تماماً
"أحمد فهمي" .. الابن الأصغر المدلل للأستاذ / فهمي الموظف البسيط بإحدى المصالح الحكومية .. "مودي" كما تحب زينب - أمه - أن تناديه داخل المنزل .. آخر العنقود سكر معقود كما هو معروف !! .. "حموته" كما يناديه أصحابه في الشارع وعلى المقهى البلدي الكائن في أطراف الحي العشوائي المنسي .. الحي بالأحياء فيه – مجازاً - لا المقهى !!
نشأ حموته في ذلك المقهى الذي طالما شهد خناقاته وشتائمه مع أصحابه من الصنايعيه والعاطلين على ثمن مشاريب لعبة الدومينو .. وأحياناً على حباية ترامادول أو سيجارة ملفوفة أو حتى سيجارة فرط أيام الفلس والقحط !
أحمد كان قد بدأ يضيق بتأنيب والده المستمر له .. يا ريتها كانت جابت دكر بط بدالك على الأقل كنا أكلناه ! .. أنا هافضل أعلف فيك لحد إمتى ؟ .. مش عيب تبقى زي الشحط وتمد لي إيدك عاوز مصروف ؟ .. هو أنا أشقى وأتعب طول النهار عشان أوفر لكم حق اللقمة وأنت بسلامتك نايم في البيت لحد المغرب زي الست النفـّسه ؟؟
مطارده والده المستمرة له كانت سبباً وراء بحثه عن عمل .. كانت سبباً من ضمن الأسباب .. أما السبب الأهم والرئيسي فكانت "منال" .. منال عامله النظافة في صيدلية "وليم" .. والتي كانت بمثابة الممول لحبوب المنشطات والهلوسه .. كانت هي الديلر بإختصار !
الحرمان .. كان سبب التعارف بينهما .. هو في نظر الجميع فاشل عاطل مدلل .. أقصى نجاحاته الشخصية لعب الدومينو .. والتي يفز فيها بالغش والسرقة .. وهي الابنه الرابعة من ضمن ستة ابناء لأب فراش وأم خياطة .. جسدها الهزيل العاري من ملامح الأنوثة يجعل من يراها يتخيلها طفلة .. بينما هي كانت قد حصلت على الإعدادية من سنتين !
في البداية .. كان الحديث بينهما لا يتعدى بضعة كلمات قليلة .. حتى يأخذ المطلوب ويجري مسرعاً إلى المقهى يقسم ويوزع ويقبض ويلعب على الباقي من أقراص ! .. بمرور الوقت صار ينتظرها في ميعاد انتهاء عملها على محطة الأتوبيس كل يوم .. وهي أيضاً كانت تنتظر قدومه وتحاول جاهده أن تخفي حبه في عينيها !
- وأنا كمان بحبك والله يا أحمد .. بس بابا مش هايوافق عليك وأنت كده !
- قصدك عشان من غير شغل يعني ؟
- ( تنظر إلى الأرض بخجل)
- طب وأنا أعمل إيه يعني ؟؟ ما هي البلد حالها واقف وما حدش لاقي شغل ؟؟ بقت مقفله من كل ناحية زي الدومنه !
- أنت اللي مش عاوز تشتغل .. خدت ع الركنة والراحة وقعدة القهوة !
- والنبي يا منال تنقطيني بسكاتك أنا مش ناقص تقطيم .. مش هاتبقي أنتي وأبويا !
- طب واللي يجيب لك شغل ؟
- شغل إيه ؟
- شغل وخلاص .. هو أنت هاتتقمر ؟؟ .. شحات وعاوز لقمه فينو ؟؟
- يا بت لمي لسانك بدل ما أمد إيدي عليكي !
- (تنظر إليه في تحدي) .. ما تقدرش !
- (يضحك بصوت عالٍ ويستطلع المكان من حوله ثم يقترب منها) .. طب أمد شفايفي ؟؟
- كانت منال قد أخبرت أمها عن أحمد .. وانه واد جدع وابن ناس طيبين .. وانه عاوز يتقدم لها بس ظروفه متلخبطه ومش لاقي شغل .. وأمها بدورها أخبرت زوجها بحديث ابنتها .. وأن البت كبرت وعينيها فتحت ولازم يستروها .. وإنه هايكسب ثواب لو شغل الواد ده معاه في الشركة .. آهو من ناحية يساعده في الشغل ويبقى تحت عينيه ويعرف أخلاقه وطباعه .. ومن ناحية تانيه ما يشاغلش البت ويقابلها من ورا ضهرهم لانه هايتلهي في الشغل .. وبعد تفكير عميق من الأب وتقليب الموضوع في دماغه قال لها : خليه يجيني بكره في صلاة العشا في الجامع اللي على الناصية واللي فيه الخير يعمله ربنا إن شاء الله .. بس أنت فتحي عينيكي كويس على البت .. ربنا يسترها !
- تقابل أحمد مع عم / حنفي في الجامع وصليا العشاء سويا .. شعر عم / حنفي أن أحمد فعلاً ابن ناس وخامة كويسه .. وقال له : أنا هاحاول أكلم لك مدير عام الشركة عشان تشتغل معايا .. هاقول له إني محتاج حد يساعدني لإني كبرت والموظفين كتروا وما بقتش ملاحق على خدمتهم لوحدي .. ده غير كمان نظافة المكاتب والبوستة وطلبات الموظفين اللي ما بتخلصش من شراء سجاير وأكل وخلافه .. واتفقا على أن يأتيه أحمد بعد يومين في صلاة العشاء ليخبره بالنتيجة.
- في ذات التوقيت التي كانتا فيه ميار ودعاء داخل الفندق الأنيق لحضور حفل زفاف شقيقة حازم زميل ميار أيام الجامعة .. كان أحمد يصلي العشاء مع عم / حنفي .. الذي بشره بأن المدير وافق على تعيينه .. وذلك بعد شهادة عم / حنفي له بأنه واد أمين ويعرف ربنا وبتاع شغل .
- عاوزك تطول رقبتي في الشركة وما تكسفنيش يا أحمد .. أنا بقالي عشر سنين فيها والحمد لله الناس كلها بتحترمني وبتحلف بحياتي وبيعتبروني زي أبوهم وأنت هاتشوف بنفسك لما تيجي بكره إن شاء الله
- إن شاء الله هاكون عند حسن ظنك يا عم حنفي وهارفع راسك في الشركة
- ربنا يعلم إني باعتبرك زي ابني .. ولولا كده ما كنتش اتصدرت لك مع المدير .. المهم إنك بكره بإذن الله تجيب أوراقك وتجي لي الشركة الساعة 08:30 الصبح
- وأنا اتشرف والله إني أكون ابنك يا عم حنفي .. بكره بإذن الله 08:30 بالثانية هاتلاقيني عندك في الشركة
- في ذلك الصباح الباكر .. كانت تنتظر ميار أكثر من مفاجأة !
لم تكن تتوقع أن ترى حازم أمام مقر الشركة .. بل ما أدهشها حقاً .. هو إنه قد حفظ عنوان شركتها من حديثهما العابر بالأمس في حفل زفاف شقيقته .. كالصياد الذي ينتظر فريسته منذ زمن .. تعاملت معه بمهارة .. رغم نشوة الانتصار الخفية التي كانت تسري في أوصالها وحاولت بكل خبرتها أن تداريها في عينيها .. بالتالي عندما طلب منها عنوان منزلها لكي يزورها في أمر شخصي .. أظهرت الأمر كأنه عادي جداً ولم تحاول أن تستفهم أو تسأل عن طبيعة ذلك الأمر الشخصي .. الذي ظنت إنها تعرفه بكل تأكيد .. أمر آخر دار بعقلها أثناء وقوفهما أمام الشركة .. جعلها تختصر من حديثها معه وتعطه العنوان بسرعة .. ذلك الأمر كان ياسر .. الذي من المحتمل أن يصل في أي لحظة .. وعندما طلب منها حازم أن يذهب إلى السيارة ليحضر ورقة وقلم لكتابة العنوان .. أجابته على الفور وبنظرة خبيثة : احفظه زي ما حفظت عنوان الشركة !
دخلت ميار الشركة وهي غير مصدقة نفسها .. تحاول أن تداري ابتسامتها دون جدوى ! .. وكعادتها كل صباح .. ذهبت إلى البوفية .. لتنبه على عم / حنفي الفراش ذات التنبيه اليومي وهو أن يجهز لها النسكافية في المج الخاص بها دون سواه .. ولكن عند دخولها البوفية .. تسمرت قدميها كأنها قد شـلـت .. وصاحت : أحمــد !!
والى اللقاء فى الليلة العاشرة بقلم : ابو ريان